الشيخ محمد علي طه الدرة
435
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
لأنكما سبب البلاء والضرر ، فقالتا : احملنا فنحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك ، فمن قرأ حين يخاف مضرتهما : سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ لم تضراه . ذكره القشيري وغيره ، وذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له مرفوعا من حديث أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال حين يمسي : صلّى اللّه على نوح ، وعلى نوح السّلام ؛ لم تلدغه عقرب تلك الليلة » انتهى . قرطبي . وذكر الخازن حكايات ، هي من نوع الخرافات . وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ أي : استهزؤوا به لعمله السفينة ، إما لأنهم كانوا لا يعرفونها ، ولا كيفية استعمالها ، والانتفاع بها ، فتعجبوا من ذلك وسخروا منه ، وإما لأنه كان يصنعها في برية في أبعد موضع من الماء ، وكلما سألوه : يا نوح ما تصنع ؟ قال : أبني بيتا يمشي على الماء ، أو هو قولهم السابق : يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة ؟ ! . قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ . . . إلخ : المعنى : إن تستجهلونا في صنعنا ، فإنا نستجهلكم لتعرضكم لما يوجب سخط اللّه وعذابه ، وقوله نَسْخَرُ مِنْكُمْ سمى هذا الفعل سخرية على سبيل الازدواج في مشاكلة الكلام ، وقد مر معنا مثل ذلك كثير ، انظر الآية رقم [ 67 ] التوبة و [ 30 ] الأنفال وغيرهما ، وانظر الكلام على الاستهزاء في الآية رقم [ 64 ] من سورة ( التوبة ) . الإعراب : وَيَصْنَعُ : الواو : حرف استئناف . ( يصنع ) : مضارع ، والفاعل يعود إلى نوح عليه السّلام . الْفُلْكَ : مفعول به ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها . وَكُلَّما : الواو : واو الحال . ( كلما ) : ظرفية متعلقة بجوابها ، وكذلك كل موضع كان لها جواب ، وهذا يعني : أنها متضمنة معنى الشرط ، وهذا هو المشهور ؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه ، وتفصيل الإعراب : ( كل ) : ظرف زمان . ( ما ) : مصدرية توقيتية . مَرَّ : ماض . عَلَيْهِ : متعلقان به . مَلَأٌ : فاعله . مِنْ قَوْمِهِ : متعلقان بمحذوف صفة : مَلَأٌ ، والهاء في محل جر بالإضافة ، و ( ما ) والفعل مَرَّ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ( كل ) إليه ، التقدير : كل وقت مرور الملأ عليه ، وهذا التقدير ، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل ( كل ) ، انظر مبحث ( كلما ) في كتابنا : « فتح القريب المجيب » ، وقيل : ( ما ) نكرة موصوفة ، والجملة الفعلية بعدها صفة لها ، وهي بمعنى وقت أيضا . سَخِرُوا : ماض ، والواو فاعله ، والألف للتفريق . مِنْهُ : متعلقان بالفعل قبلهما ، وجملة : سَخِرُوا مِنْهُ جواب ( كلما ) لا محل لها ، وقيل : الجواب جملة : قالَ إِنْ . . . إلخ وجملة : سَخِرُوا مِنْهُ صفة : مَلَأٌ . . . ، أو هي بدل من جملة : مَرَّ . . . إلخ وهو بعيد جدا ؛ إذ ليس سخر نوعا من المرور ، ولا هو هو ، فكيف يبدل منه ، وعليه فالمعتمد الأول ، ومثله ما قيل في الآية رقم [ 37 ] من سورة ( آل عمران ) ، و ( كلما ) ومدخولها في محل نصب حال من فاعل ( يصنع ) المستتر والرابط : الواو ، والضمير المجرور بحرف الجر . إِنْ : حرف شرط جازم . تَسْخَرُوا : مضارع فعل الشرط